facebook
^أعلى الصفحة
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
    ...
  • 5

  
  
  

موقع الدكتور محمد الفاتح حمدي

الأبعاد التكنولوجية والحضارية والاجتماعية للعملية التواصلية في ضوء القرية الكونية الافتراضية

الأبعاد التكنولوجية والحضارية والاجتماعية للعملية التواصلية في ضوء القرية الكونية الافتراضية.

دراسة تحليلية مقارنة بين الحتمية التكنولوجية والحتمية القيمية.

 

ملخص الدراسة:

          تهدف هذه الدراسة العلمية إلى تسليط الضوء على تطور عملية التواصل عبر الأزمنة المتعاقبة، بدءً بمرحلة الرموز والإشارات والإيماءات، وصولاً إلى مرحلة تطور وسائل الاتصال الجماهيري والإعلام الجديد. فكل مرحلة تختلف عن المرحلة التي سبقتها. فما حدث من تطور وتغير على مستوى عناصر العملية التواصلية، ساهم بشكل كبير في إحداث تغيرات كبيرة داخل النسق الاجتماعي، كما ساهم ذلك في تطور بحوث علوم الاتصال والإعلام، وظهور مقاربات علمية جديدة تفسر علاقة الجمهور بوسائل الاتصال والإعلام الحديثة.

          وسنتناول من خلال هذه الدراسة الأبعاد الحضارية والتاريخية والاجتماعية والتكنولوجية التي ساهمت بشكل كبير في إحداث نقلة نوعية على مستوى النسق الاتصالي، وذلك من خلال مقاربة   ماك لوهان، وعزي عبد الرحمن، فالأول يعتقد أن نجاح العملية التواصلية مرتبط بشكل كبير بنجاح الوسيلة الاتصالية، فأي تغيير أو عطب على مستوى وسائل الاتصال الشخصي أو الجماهيري يؤدي إلى عرقلت نجاح العملية التواصلية بين المرسل والمستقبل. أما عبد الرحمن عزي فيرى أن نجاح العملية التواصلية بين المرسل والمستقبل لا يتوقف على نجاح الوسيلة فقط، وإنما محتوى الوسيلة (الرسالة) يجب أن تكون له قيمة أو قيم تتماشى مع المجتمع الذي نتواصل معه، فعدم مراعاة معيار القيم أثناء إعداد الرسالة الاتصالية قد يؤدي إلى فشل عملية التواصل، حتى ولو كانت الوسيلة الاتصالية ليس بها تشويش أو عطب تقني.

          ومن خلال هذه الدراسة سنشرح كيف تم تفسير نجاح أو فشل العملية التواصلية في ضوء مقاربة الحتمية التكنولوجية، والحتمية القيمية في الإعلام، مع الإشارة إلى كيفية توظيف ذلك في حياتنا اليومية، من خلال تقديم أمثلة عن دراسات ميدانية لها علاقة بالموضوع.

 

مقدمة:

     يعدّ الاتصال بين الأفراد والجماعات عاملا أساسيا في تأدية العمليات الاجتماعية لوظيفتها على الوجه الأكمل. إنّ درجة فهم أفراد المجتمع لبعضهم البعض لها أهمية كبيرة في نمو المجتمع ورقيه وتطوره، وأداء وظائفه. وفهم الاتصال هو شرح للتطورات التاريخية التي أدت إلى نشأة هذه المجموعة من الممارسات الاجتماعية، الثقافية، السياسية، لتقنيات الايديولوجيا التي تشكل ما نطلق عليه اليوم الاتصال.

     قد سعى الجنس البشري عبر التاريخ إلى تحسين القدرة على تلقي واستيعاب المعلومات عن البيآت المحيطة به. كما سعى في الوقت نفسه إلى زيادة سرعة ووضوح وتنوع أساليب أفراده في بث المعلومات.[1]

وعبْر كل التطورات التي عرفها المجتمع البشري أدّت كل الثورات السابقة إلى إفراز عالم جديد يحمل العديد من التجسدات والخصائص والصفات المميزة للمرحلة الجديدة الّتي دخلها العالم. فالمرحلة الزراعية شهدت ظهور المجتمعات المستقرة المنتجة وبدء اختفاء الجماعات الراحلة والمتوحشة. وشهدت ذات المرحلة ظهور الكتابة والعلوم والمعارف وتشييد الإنجازات المعمارية الضخمة. أمّا المرحلة الصناعية، والّتي بدأت منذ ثلاثة قرون تقريبا، فقد أحلت الآلة محل الجهد البشري وأفرزت التجمعات السكانية الضخمة وأنظمة الاتصال والمواصلات الواسعة والمعقدة وأحدثت ثورات في مجالات الاقتصاد والعلوم والفلسفة. وفي الوقت الراهن، يدخل العالم مرحلة جديدة تتميز بالاستخدام المكثف لمنتجات ثورة الإكترونيات.[2]

   إنّ ظهور نموذج مجتمعي جديد هو مجتمع المعلومات العالمي من ناحية، وبروز رُؤية جديدة للعالم، أصبحت لها آفاق عالميّة، بحيث نفذ تأثيرها إلى جميع المجتمعات الإنسانيّة المعاصرة، وإن كان بدرجات متفاوتة من العمق، وبغضّ النّظر عن فقر الدّول أو ثرائها[3]. وأهمّ ما يميّز العصر العولمي الجديد، تمثّل بهذا الحضور غير المسبوق للاتصال والتخاطب السّمعي والمرئي بين الأفراد، وبشكل ميسّر مع حلول آلات الذّكاء الاصطناعي في حياتنا المعاصرة في العمل والمنزل.[4]

    ولا نبالغ إذا قلنا أنّ "المعلوماتيّة" ليست مجرّد تطوّر أحدثته تكنولوجيا الاتصال، ولكنّها ثورة بكلّ معان الكلمة، ستكون لها آثار سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة بالغة العمق.[5]

  فشبكة المعلومات الدّوليّة المعروفة باسم إنترنت هي اليوم بمثابة ذروة تكنولوجيا الاتصال...وهي تتيح لأجهزة الكمبيوتر في جميع أنحاء العالم الاتصال ببعضها من أجل تبادل المعلومات، بل والمشاركة في صنعها أيضا، وبذلك أصبحت شبكة الإنترنت، نافذة عريضة نطلّ منها على العالم عبر شاشة كمبيوتر لا يتوقّف عن العمل...[6] 

          لقد حولت الوسائط والتقنيات الحديثة المجتمعات الإنسانية إلي قرية كونية محدودة الأزمنة والأمكنة على حد مقولة مكلوهان، فلم نعد بحاجة إلى وقت كبير وقطع مسافات طويلة من أجل إيصال رسائلنا الاتصالية والإعلامية إلى مختلف فئات الجمــاهير، فقد وفرت علينا تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة عبء التنقل واستغراق وقت طويل في أداء ما نريده من الآخرين. فالملاحظ في تطور هذه الوسائط الاتصالية يري أنها أحدثت تغييرات في طريقة تواصلنا مع العالم الخارجي، وهذا التغيير مس كل عناصر العملية الاتصالية، إلى جانب البيئة التي نتواصل فيها، والأنساق السائدة داخلها. ومن خلال هذه المداخلة العلمية سنتناول أهم التغيرات والتحولات التي شهدتها عملية التواصل عبر العصور مع التركيز على التغيرات الجذرية التي حصلت في عصر تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة انطلاقاً من مقاربتي  مرشال ماك لوهان، وعبد الرحمن عزي.

 

أولاً: عملية التواصل من عصر الإشارات والرموز إلى عصر تكنولوجيا الاتصال والمعلومات.

      المتتبع لتطور عملية الاتصال عبر التاريخ يلاحظ أنها مرت بعدة مراحل مختلفة ولكن ظهور مرحلة جديدة في سياق التطور لا يعني بالضرورة إلغاء المرحلة السابقة، فلقد جاءت مرحلة الرموز والإشارات مرتبطة بالمراحل الأولى للجنس البشري على سطح الأرض والتي تصور لنا صورة واقعية عن طريق الاتصال والتفاهم بين الأفراد خلال المراحل التاريخية التي ظهر فيها الإنسان على سطح الأرض، كما نجد أن طريقة الاتصال والتفاهم للجنس البشري قد سبقها ما يعرف بظهور الكائنات أو المخلوقات السابقة على البشر، والتي كانت تعيش على الأرض قبل ظهور الإنسان ذاته، عرف الإنسان عنها بعد ذلك الكثير من الرموز والإشارات كما كان لاستخدام الأصوات والإشارات أثر كبير على تطور وسائل الاتصال كما أن الحروف كانت مجرد أصوات ولكل صوت معنى محدد ومتعارف عليه، ولا تزال الكثير من هذه الأصوات متواجدة حتى الآن، وبعدها عرف الإنسان ما يعرف بمرحلة الخطابة أو اللغة، حيث بدأ هذا العصر في مرحلة لاحقة من مرحلة الرموز والإشارات وكدليل لظهور تطورات فكرية لدى الجنس البشري، وجاءت محاولات الإنسان الأولى لتطوير وسائل الاتصال الخاصة به وذلك عندما سعى لاستبدال لغة الرموز والإشارات بالكلمات والتي يسعى من البداية للتعبير عنها بالصوت، ولكن ما لبث الإنسان أن استخدم الصوت المسموع الذي تطور إلى لغة منطوقة، وبعد ذلك تم تطوير هذه اللغة إلى لغة مكتوبة ومدونة، وبعد أن كانت اللغة تجسد في أشكال خطوط متعرجة أتت مرحلة متقدمة من تطور اللغة هي مرحلة الهجاء أو اللغة المكتوبة.

       فمند ظهور اللغة والخطابة والإنسان يبحث في طريقة تطوير عملية اتصاله بالعالم الخارجي وبالفعل فبعد مدة طويلة من ظهور اللغة اكتشف الإنسان الكتابة، التي كانت في البداية عبارة عن كتابات مصورة عن طريق الرسم على الجدران والمعابد والكهوف أو النقش على الحجر وتعد هذه أولى مراحل التدوين والكتابة عرفها الإنسان من الآلاف من السنين، لتتطور بعدها الكتابة وعملية تدوينها بصور متعددة وتطورت حروف الهجاء التي تعد بمثابة أصوات ذات معني محدد وتكتب كحروف منفصلة وتفهم من خلال النطق بأصواتها، ولقد لعب العلماء المسلمون دورا بارزا في تطوير ونشر الأرقام والأعداد إلي العالم كله وذلك خلال العصر الإسلامي والعباسي في عهد الخليفة المنصور الذي اتخذ من بغداد عاصمة له، وأهتم عموما بفئة العلماء وخاصة علماء الفلك والحساب وقام بترجمة الأرقام وأصول الحساب التي كانت موجودة في الحضارات القديمة وتم التوصل إلى لغة الحساب والأرقام الحاليــــة، ووضع اللغة والحروف الهجائية العربية .

    إن اكتشاف اللغة والكتابة لم تكن نهاية الاكتشافات الإنسانية في مجال الاتصال، فمع حلول القرن الخامس عشر استطاع الإنسان أن يضيف إلى سجله أحد أهم الوسائل الاتصالية في تاريخه وهي الطباعة، التي تعد بمثابة أعظم وسيلة اتصال قد عرفها الإنسان لأنها أحدثت تطورات هائلة في الحياة الثقافية والحضارية بصورة عامة، ولقد أحدثت الطباعة ثورة فكرية واتصالية كبيرة، وأفقدت أهمية الكثير من الفئات المثقفة والصفوة السياسية والدينية التي كانت تحتكر القراءة والكتابة في ذلك العصر.

كما ساعدت الطباعة على محو أمية الكثير من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة وتدعيم الحرية الثقافية والعلمية والاتصالية للعديد من الشعوب، وتزيد من ثورة الإختراعات ويعود الفضل في هذا الإختراع إلي العالم يوحنا جتنبورج عام 1465 فإذا كانت الطباعة قد أحدثت تقلبات وثورات في العالم أثناء اكتشافها كما أنها غيرت الكثير في العديد من المجالات، إلا أن هذا لم يكن نهاية تاريخ الإنسان في اكتشاف وتطوير طرق الاتصال التي تساعده في تغيير حياته وأنماط اتصاله وكذلك الوظائف التي جاءت بها الوسائل الحديثة، فمع بداية منتصف القرن التاسع عشر تنبأ *ماكسويل *بوجود موجات تنتجها ذبذبات الشحنات الكهربائية وتنتقل في جميع الاتجاهات بسرعة ناقلة الطاقة، قد لا يكون الضوء سوى جزءا خاص من هذه الموجات المسماة موجات كهرومغناطيسية. فخلال هذه المرحلة ظهر التلغراف والتلفون والفونوغراف، ثم التصوير الفوتوغرافي، فالفيلم السينمائي ، ثم الإذاعة المرئية (التلفزيون)، والتليكس وصولاً إلى الأقمار الصناعية والفاكس والفيديو والألياف الضوئية وغيرها من وسائط الاتصال الحديثة (1).

    فقد أحدثت هذه المرحلة ثورة في نظم الاتصال وحولت العالم إلى قرية عالمية إلكترونية، يعرف الفرد فيها بالصوت والصورة وبالكلمة المطبوعة، وكل ما يحدث وقت وقوعه، إلا أن هذا الانفجار المعلوماتي جعل الإنسان العادي يعجز عن متابعة ما يحدث في العالم على مستوى الأحداث اليومية أو على مستوى التخصص العلمي أو المهني.

    والشيء الذي لا يناقش هو أننا أصبحنا نعيش في عصر دواليبه تحركها المعلومات، وهذه بديهية غير قابلة لا للنقاش ولا للتشكيك، ويتميز هذا العصر بتأثير ثلاثية المعلوماتية والسمعي البصري وتكنولوجيا الاتصال والإعلام والتي تتدفق يوميا كل دقيقة بل كل لحظة كميات هائلة ومهولة من المعلومات من كل صوب وحدب عبر وسائط متعددة من ألياف ضوئية وأقمار صناعية وبث فضائي مباشر، وهواتف رقمية وشبكة الأنترنت . "وهذه الوسائل أعطت للعالم صفة الرقمية والعالمية لسهولة وصول الرسائل وتبادلها بين الأفراد دون عوائق أو تشويش أحسن مما كان حاصلا في الماضي، ومن الملاحظ أن حركة الاتصال الجماهيري كانت تنحو نحو مفهوم توحيد الجماهير بحيث رسالة واحدة لكل الجماهير، أما في ضوء الحداثة الاتصالية أخذت أشكال الاتصال الجماهيري تنحو نحو اللامركزية في العملية الاتصالية، بمعني تقديم رسائل متعددة تلائم الأفراد والجماعات الصغيرة المتخصصة، وتتخذ هذه اللامركزية للرسائل، نمطين في الاتصال الإنساني، نمط يتحكم فيه المرسل والأخر يتحكم فيه المستقبل، ويمكن إتاحة لكل منهما عن طريق الأقمار الصناعية والربط بالحاسبات الإلكترونية لتوفير خدمات مختلفة من الاتصال وتبادل المعلومات، تبدأ من الصحافة المطبوعة أو نقل النصوص المكتوبة وتمتد إلي شكل البرامج التلفزيونية ويمكن نقل هذه المعلومات عبر مسافات شاسعة وبسرعة فائقة عن طريق استخدام الاتصال الكابلي والأقمار الصناعية.(2)

 

 

 

 

 

ثانيا: عملية التواصل في ضوء تطور تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة:

2-1- خصائص العملية التواصلية في ضوء تطور تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة:

إن المتتبع لتطور تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة يدرك أنها تتميز بجملة من الخصائص والسمات تميزها عن خصائص بقية وسائل الاتصال والإعلام التي كانت سائدة في المجتمعات التقليدية.

  ويرى توفلر بأنه كانت الأثار التجانسية لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية في ذروة قوتها عندما كانت الخيارات محدودة، أمام المستمع والمشاهد، بقنوات قليلة ورسائل إعلامية قليلة، أما الواقع الإعلامي الإلكتروني الممتد، فإن هناك خيارات متعددة ومتنوعة والمحتوى الواحد، له أشكال متنوعة، في عرضه، في أكثر من محطة إعلامية مسموعة أو مرئية في قوالب مختلفة متنوعة.

         إن التحول من فرص الاختيار الأقل إلي فرص الأكثر تعددا في مجال الإعلام  لا يحمل مدلولات ثقافية فحسب بل سياسية أيضا، وتواجه حكومات الدول ذات التقنية المتقدمة مستقبلا ستعرض فيه شعوبها إلى وابل متصل من الرسائل المتعددة المتعارضة المخصوصة، الثقافية منها والسياسية والتجارية، بدلا من رسالة واحدة ترددها قلة من الشبكات الإعلامية العملاقة في صوت واحد.

         ويمكن القول أن التطورات التقنية الكبيرة في مجال الاتصال الجماهيري، وتعدد قنوات الاتصال والمعلومات أدى إلي ما يمكن تسميته بـ عصر الشاشة، فالوسائل المطبوعة والمقروءة والمسموعة والمرئية أصبحت مندمجة في شاشة التلفزيون أو الحاسوب –الكمبيوتر- الشخصي، حيث يستطيع المتلقي قراءة كتاب أو صحيفة أو مجلة ومشاهدة مسرحية أو فلم أو خطاب سياسي على هذه الشاشة، وفي أغلب الأحيان بصورة فردية، كما أنه يستطيع إلى حد بعيد الاختيار من بين بدائل عديدة في الوقت نفسه، وتفترض الاتجاهات الحالية والمستقبلية لتطور وسائل الاتصال نمو أحد تصورات ثلاثة لوضع الاتصال خلال القرن الحادي والعشرين وتشمل هذه التصورات تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال وأيضا الهيمنة والاندماج لوسائل الاتصال وأيضا التوافق بين التقنية القديمة والحديثة .

         فهذا التطور المدهش في عالم الاتصال والإعلام جعل من الرسائل الإعلامية والاتصالية تتجاوز الحدود المكانية وأيضا الوصول إلي أكبر عدد من الجماهير دون حدوث عوائق أو تشويش مثلما كان يحدث في السنوات الماضية عندما  كنا نعتمد على وسائل اتصالية بسيطة في عملية الإرسال، ولكن بمجرد اكتشاف الألياف البصرية والأقمار الصناعية والتلفزيون الرقمي والتفاعلي والراديو الرقمي والفيديو الرقمي والحاسوب المحمول وشبكة الأنترنت وأيضا الهواتف المحمولة سهل للإنسان عملية الاتصال وتكسير كل الحواجز والعوائق التي كانت تقف في وجه رسالته الاتصالية.(3)

ثالثا: أثر تطور تكنولوجيا الاتصال والإعلام على علمية التواصل:

    إن ما طرحته تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة من وسائل وتقنيات كان له أثر واضح في مفاهيم الاتصال والإعلام التقليدية التي كانت تعرف على أنها عملية اجتماعية تنتقل بها الأفكار والمعلومات بين الناس. كما تعرف أيضا على أنه ظاهرة عامة ومنتشرة تقوم بدور لاغني عنه في تحقيق التفاعل الفكري والحضاري داخل المجتمع الواحد أي أن الخبر أو المعلومة سواء كانت واقعية أو خيالية تتحقق خلال عملية مشاركة بين المرسل والمستقبل من خلال عملية التغذية العكسية أي ما يصل إلي المؤسسة من أراء واتجاهات نحو سياستها وخدماتها والعاملين فيها، فهي ليست مجرد عملية إرسال واستقبال للمعلومات أو الأفكار أو المشاعر بل أنها تفاعل بين جميع العناصر، وبالذات المرسل والمستقبل. كما عرفه –لندبرج-بأنه –الاتصال- عملية استخدام للإشارة والتفاعل بواسطة العلاقات والرموز وقد يكون الرمز حركات أو صور أو لغة أو أي شيء أخر يعمل كمنبه للسلوك، وعموما أن الاتصال نوع من التفاعل الذي يحدث بواسطة الرموز والعلاقات.

أما مفهوم الإعلام فقد عرف على أنه تلك العملية التى تبدأ بمعرفة المخبر الصحفي بمعلومات ذات أهمية، أي معلومات جديرة بالنشر والنقل، ثم تتوالى مراحلها، تجميع المعلومات من مصادرها، ثم نقلها، والتعاطي معها وتحريرها، ثم نشرها وإطلاقها أو إرسالها عبر صحيفة، أو وكالة أو إذاعة أو محطة تلفزيون إلى طرف معنى بها ومهتم بوثائقها . ولكن مع تطور تكنولوجيا الاتصال والإعلام تغيرت العديد من المفاهيم في محتوياتها وأيضا في وسائط تحميل المعلومات وطريقة إنتاجها، في ظل القرية العالمية المكالوهانية، وهذا راجع إلى امتزاج وتداخل بين تكنولوجيا المعلومات وأيضا الوسائط الاتصالية ووسائل الإعلام الحديثة مما نتج عنه مفهوم جديد في ميدان الإعلام والاتصال ألا وهو، الاتصال الجماهيري، ويعرف على أنه عملية اتصال  تتم باستخدام وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية الحديثة، ويتميز الاتصال الجماهيري في قدرته على توصيل الرسائل إلى جمهور عريض متباين الاتجاهات والمستويات، ولأفراد غير معروفين للقائم بالاتصال، تصلهم الرسالة في اللحظة نفسها وبسرعة فائقة مع مقدرة على خلق رأي عام وعلى تنمية اتجاهات وأنماط من السلوك غير موجود أصلا، والمقدرة على نقل الأفكار والمعارف والترفيه.  وتشمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تلك الوسائل التي لها مقدرة فائقة على نقل الرسائل الجماهيرية من مرسل إلي أعداد كبيرة جدا من الناس عبر القرية الكونية، وتتمثل مقدرتها الاتصالية في استخدام معدات ميكانيكية أو إلكترونية مثل الصحافة الإلكترونية والأنترنت والألياف الضوئية والأقمار الصناعية والفيديو الرقمي، والتليفزيون والراديو الرقمي، والهواتف الرقمية والحواسيب الآلية المحمولة، ووسائط الإعلام الجديد، وغيرها من الوسائل الاتصالية والإعلامية الحديثة التي نشأت وتطورت في ظل ظروف تاريخية واجتماعية ودولية.

    ومن مميزات عصر الامتداد الإلكتروني أنه تحول إلى اللامركزية، حيث أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة، سبل التواصل بين أفراد العالم، في ظل قرية إلكترونية واحدة.- تغيرت في ظلها محتوى وشكل الرسائل الإعلامية والاتصالية من النمط التقليدي إلي النمط الحديث في صياغة الرسائل الإعلامية واختيار الوسيلة المناسبة والأسرع لنقل هذه الرسالة إلى جماهير محددة – حيث نجد أن الوسائل الاتصالية التقليدية كانت تنحو في محتوياتها وأشكالها نحو مفهوم توحيد الجماهير، بحيث تصل الرسالة الإعلامية إلي قطاعات جماهيرية واسعة، أما في ضوء الحداثة الاتصالية أخذت أشكال الاتصال الجماهيري تنحو نحو اللامركزية في العملية الاتصالية، بمعني تقديم رسائل متعددة تلاءم الأفراد أو الجماعات الصغيرة المتخصصة كما ذكرنا سابقا.

   وتفترض الاتجاهات الحالية والمستقبلية لتطور وسائل الاتصال نمو أحد التصورات ثلاثة لوضع الاتصال خلال القرن الحادي والعشرين فيما يخص شكل ومحتوى هذه الوسائل، ويتجسد هذا من خلال تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال وينبنى هذا التصور على ظهور خدمات الاتصال الجديدة، التي توجه رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفريدة مثل التلفزيون التفاعلي والرقمي، والفيديو الرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعي بمختلف تطبيقاتها، وهناك إقبال كبير ومتزايد من جانب الأفراد على امتلاك هذه الوسائل، والاستعانة بها في عملية الاتصال، وتجنب عملية الاتصال المباشر مع أفراد هذه الوسائل، والاستعانة بها في عملية الاتصال وتجنب عملية الاتصال المباشر مع أفراد آخرين، وتتمثل مظاهر التفتت في فئات المستقبلين في ميل الأفراد إلي الانعزال، كما أن وسائل الاتصال الحديثة تمنح الأفراد والجماهير القدرة على خلق بيئة الاتصال التي تناسبهم، وأدى ظهور هذه الوسائل الجديدة إلي تناقض المعرفة التي يحصل عليها عن طريق التعرض العشوائي لمواد الاتصال وتناقص الاتصال الجدلي بين الجماعات والطبقات ليحل محله اتصال متزايد داخل كل جماعة أو فئة، والنقطة الثانية هي تكريس الهيمنة والاندماج لوسائل الاتصال ويقوم هذا التصور على اتجاه وسائل الاتصال الجماهيري إلى التركيز في كيانات ضخمة وملكية مشتركة ومتعددة الجنسية.

   الملاحظ أنه تم التركيز كثيرا في شكل الرسائل الاتصالية وطريقة توصيلها إلي الجماهير المتعددة والمتخصصة عبر القرية الكونية بأسرع طريقة ممكنة وفي أحسن القوالب والأجناس الصحفية والأساليب البلاغية من أجل الوصول إلي هدف معين تسعي الجماهير إلي تحقيقه من وراء ذلك ولكن في ظل هذا التطور السريع والمتزايد لتكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة يتطلب منا أن نعيد النظر في منظومتنا القيمية في ظل كثرة الرسائل الإعلامية الوافدة إلينا وما توافق تلك الرسائل مع سلمنا القيمي داخل البيئة العربية والإسلامية، وفي ظل هذا الزخم الكبير لوسائط الاتصال والإعلام الحديثة والتركيز على مقولة الغاية تبرر الوسيلة، ومقولة الرسالة هي الوسيلة، وجدنا أنفسنا نسبح في تيار لا يخدم البيئة التي يعيش فيها الفرد العربي المسلم، لكثرة وتداخل الغايات المادية  التي تسعي الإمبراطوريات الإعلامية الكبرى لتحقيقها والترويج لها على حساب غايات وعادات وتقاليد نابعة من أعماق المجتمعات العربية والإسلامية التي استمدتها من الشريعة الإسلامية.

 

خامسا: عملية التواصل في ضوء مقاربة الرسالة هي الوسيلة (للعالم ماك لوهان):

إنّ الرسالة الإعلامية والوسيلة الإعلامية مرتبطتان الواحدة بالأخرى، لأنّ طريقة عرض الرسالة الإعلامية مرتبط بالتأثير الإعلامي إلى درجة تعادل أهمية الرسالة الإعلامية نفسها.[7] ما يحاول M. Mac Luhan إثباته في هذا الموضوع، في شرح شامل، يجمع  كلّ التحليلات (السابق ذكرها في الموضوع الأوّل) والّتي يمكن ترجمتها في الكلمات "الوسيلة هي الرسالة" والّتي كثيرا ما تكرّرت في كتابه "لكي نفهم وسائل الإعلام".

   ولتبسيط هذه المقولة يمكن أن نقول أن ما يستهلكه الإنسان لا يتكوّن من الرموز التي تشتمل عليها الرسالة فقط ولكن من المعنى المضاف الذي يعطيه نمط الاتصال المعتمد. ويمكن أن نربط هذه الفكرة بقضية الشكل والمحتوى في الدراسات الأدبية، إذ ابرز النقد الأدبي المعاصر أن محتوى رواية ما لا يقتصر على القصّة ومختلف مكوّناتها ولكن الشّكل الأدبي في حدّ ذاته يحمل محتوى (أو دلالة) قد يكمّل القصّة وقد يكون ذا دلالة أعمق.

   تعتبِر "الحتمية التقنية الإعلامية" technological determinim التقنيات الاتصالية هي الأساس في حركة البناء الإعلامي حتى أنّها تعلن بأنّ الرسالة لا قيمة لها بدون الوسيلة، أو ما عُرف في منهاج وشرعة علم الاتصال اليوم بفكرة "الوسيلة هي الرسالة" the medium is the message . انتفض M. Mac Luhan أمام فكرة أنّ المضمون وحده يكفي، مهما كانت الوسيلة التي تنقله. بالنسبة إليه كل اكتشاف تقني يمثل طريقة جديدة للتواجد..والعيش جماعيا: وعليه، إنّ دراسة الوسيلة ذاتها هو ما يسمح لنا بفهم الإنسان الاجتماعي.

 نقول، نهتم بوسائل الإعلام، ليس باعتبارها ناقلة لمضمون معبّر، لكن باعتبارها هي في حدّ ذاتها معبّرة عن ما هو المضمون، ...الوسيلة - ساعة؟ لكن الساعة تؤدّي إلى استغلال الوقت بطريقة جديدة تماما: تفرض تقسيما ميكانيكيا للوقت إلى مقاطع ظاهرة على ميناء الساعة؛ وتشكل بذلك مرورا مشابها للّذي حققته الألفباء والطباعة التي نقلت الإنسان من حضارة ذات طابع شفوي إلى حضارة ذات طابع مرئ (بمعنى إحداث نقلة في نمط العيش من خلال تقسيم الوقت).

  إذًا،لم نتوصل إلى تحديد أفضل لآثار وسائل الإعلام الجماهيري، لأنّه تم التركيز كثيرا وبصورة حصرية على مضمون وسائل الإعلام. أليس كذلك؟ يسأل ماك لوهان. إذن نحن نسجل آثار السينما عوض أن ندرس مضامين السينما بلا نهاية، مثل مضامين رواية أو مسرحية...مثال ضمن أمثلة أخرى: أفكار هتلر لم تكن لها أهمية كبيرة. ما كان مهما، هو الوسيلة المسيطرة في ألمانيا الهتلرية: الراديو...أين تم استخلاص أنّه :"لو عرف التلفزيون انتشارا واسعا تحت نظام هتلر لاختفى هذا الأخير بسرعة".[8]

تحليلات M. Mac Luhan أدّت به إلى الاعتقاد بأنّه مثلما انتقل الإنسان من الحضارات القبلية القديمة (من النمط الشفوي أين سيطرت وسائل إعلام باردة) إلى حقبة الفردانية الحديثة، عرف الإنسان الحديث تحولا أدّى، بصورة خاصة، إلى ظهور وبصفة واسعة جدّا، نوع من الحضارة القبلية أين أصبح العالم "عالم جديد لقرية كونية" « the new word of the globl village » بذلك نحضُر عودة مؤكدة لوسائل الإعلام الباردة.

  إنّ وسائل الإعلام الساخنة هي المسئولة عن كل آفات التاريخ المعاصر. الطباعة على وجه الخصوص...هي مصدر ظهور وسخط القوميات.

 بالعكس وسائل الإعلام الباردة خاصة التلفزيون، بإمكانها أن توفر لنا توازنا جديدا في إعادة القبلانية، أين يجد مكانه الاعتماد المتبادل وفكر الجماعة بعيدا عن الفردانية(..). يقول: بفضل التلفزيون زالت الحواجز التي كانت تمنع الفرد من الاتصال بنظيره بجميع حواسه، بل التلفزيون يجعلك تسمع وترى وتراقب وتتعرف من كل الجوانب على المخاطب كما كان الشأن من قبل داخل القبيلة...بالتالي فإنّ العالم أصبح بمثابة قبيلة كما كان الشأن من قبل.

وبناء على ذلك نعرض المراحل الثلاثة التي عرضها M. Mac Luhan حول تطور الاتصال في المجتمعأ- مرحلة الاتصال الشفوي القبلي: وهو النوع الّذي كان سائدا عندما كانت المجتمعات البشرية تنحصر في حدود القبائل المحتلفة وكان الاتصال داخلها شفويا مباشرا، ويقول ماك لوهان أنّ هذا الاتصال يقرب بين الناّس. سبق وتعرضنا إلى مميّزات الاتصال المواجهي في فقرات سابقة. وهذه هي المرحلة البدائية لمجتمع بدون كتابة.  

ب- مرحلة الاتصال السطري: وهي مرحلة الاتصال السطري حسب تعبير ماك لوهان، ويشير بهذه العبارة إلى الكتابة سواء كانت خطا باليد أو مطبوعة بالآلة، ويقول أنّ هذه المرحلة بدأت عندما اكتشف غوتنبرغ الطباعة أو بالأحرى بلغت أوجّها في هذه الفترة، بحيث أصبح الاتصال يتعدّى القبيلة بواسطة المخطوط أو الكتاب.[9]

جـ- مرحلة الاتصال الشفوي (الكوني): وهي حقبة الكهرباء والّتي تعرض رسالة مختزلة لكنّها شاملة تعيد بناء الأسرة البشرية في قبيلة كونية واحدة[10]. وهي تمتاز بالرجوع إلى الاتصال الشفوي، ويقول ماك لوهان إنّ العامل الفعّال في هذا هو اختراع الكهرباء.[11] 

 

ثالثا: عملية التواصل في ضوء نظرية الحتمية القيمية في الإعلام:

3-1. أسس نظرية الحتمية القيمية في الإعلام.

إنّ نظرية الحتمية القيمية تختلف عن النظريات الغربية السابقة، خصوصا نظرية مارشال ماك لوهان، على مستوى القيمة التي يعتبرها عبد الرحمن عزي نوعاً من التعبير عن الذات والتميّز الثقافي والحضاري، حيث يعتمد عبد الرحمن عزّي على القيم لتحقيق التنوع الثقافي الإيجابي.[12] وتأتي أهميّة هذه النظرية "الحتمية القيمية الإعلامية" بالنظر إلى جملة القضايا التي يعيشها العالم العربي والإسلامي في وقتنا الراهن، وفي مقدمتها الوضع الإعلامي والغزو الثقافي الّذي اشتدت حدته مع رياح العولمة، وانعدام الفعالية الحضارية التي تميز معظم دول العالم الإسلامي في عصر التكنولوجيات الرقمية المتطورة، والتغريب الذي طبع العلوم الاجتماعية والإنسانية السائدة والتي اقتبسها العالم العربي الإسلامي بحذافيرها على الرغم من الاختلاف الكائن ما بين المرجعية الإسلامية عن الحضارة الغربية. وتأتي الحتمية القيمية الإعلامية بمثابة رؤية نظرية جديدة في مقابل الحتميتين الرئيسيتين وهما: الحتمية التكنولوجية (technological determinism) والحتمية الاجتماعية (social determinism)، وفيما إذا كانت الحتمية التكنولوجية تعني أنّ التطور التكنولوجي هو الّذي يقود قافلة التغير الاجتماعي والاقتصادي، فإنّ الحتمية الاجتماعية تشير إلى أنّ الحركة الاجتماعية بتوجّهاتها وقوانينها وقيمها، ومقاييسها الأخلاقية والاجتماعية هو الذي يفسد عملية التغيير، في حين أنّ الحتمية القيمية هي ربط بين الواقع وبين ما ينبغي أن يكون عليه، وبهذا الاعتبار فإنّها تستمد أهميّتها من كونها تضيف في الدراسات الإعلامية من جهة، ومن كونها إسهاما في مواجهة التحديات الإعلامية القائمة من جهة أخرى.

 إنّ الفكرة الرئيسية للنظرية القيمية في الإعلام هي أنّ الإعلام إنّما هو رسالة، وأنّ أهم ما يمكن أن تقاس به الرسالة هو القيم الّتي تمثلها تلك الرسالة، وأنّ القيم في أساسها ترتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقدات.[13] 

 والقيمة هي إيمان (قناعة) الإنسان بأهداف مقدّسة (أو مشروعة) تعطيه معايير للحكم على الأشياء والأفعال بالحسن والقبح أو بالأمر والنهي...كما تعكس القيم أهدافنا، واهتماماتنا، وحاجاتنا، والنظام الاجتماعي والثقافي الّذي تنشأ فيها لما تتضمنه من نواحي دينية واقتصادية وعلمية.[14]

 لقد ظهرت نظرية "عبد الرحمن عزي" لتعيد للقيم دورها في أي حركة يقوم بها الإنسان، فالرأسمال القيمي مرتبط بقيم المجتمع ومعانيه الثقافية التي تشكل هويته وانتماءه إلى بيئة حضارية ذات أبعاد إنسانية عالمية وينتمي الرأسمال القيمي إلى مجال التدافع الذي يضمن الحراك الاجتماعي التاريخي، في علاقته مع القيمة والتضاد بين الخير والشر، إذ على مستوى القول (الرمزي) أو الفعل (السلوك الفردي والاجتماعي) يكون الرأسمال القيمي المرجع في كل أداء من الرأسمال المادي والرأسمال الرمزي، فالترابط بين العناصر الثلاثة المكونة للرأسمال أساس البناء الحضاري.[15]

3-2.التواصل وعلاقته بنظرية الحتمية القيمية.

          إن التواصل البشري لا يمكن حصره في إطار التكنولوجيا وتطور مفاهيم وأساليب تبادل المعلومات بعيداً عن الأطر الإيديولوجية. وغياب الحدود بين الأمم وتحول الأرض إلى قرية كونية لن يحل مشاكل البشرية وربما زاد في تفاقمها، وهو حتما لن يمنحها السعادة المنشودة في ظل غياب منظومة قيم مواكبة لهذا الانفتاح التاريخي المصحوب بالتطور التقني. ولن تستطيع الانترنت والقنوات الفضائية المتنوعة، ومواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها وتطبيقاتها إزالة الفروقات الحضارية بين الشعوب، وتحقيق ذلك التواصل البناء إلا على حساب الثقافات الإنسانية التاريخية العاجزة عن التعبير عن نفسها والتي قد تصبح ضحية التفوق السوبرماني للحضارة الغربية، فتغيب عن مسرح الأحداث مفسحة في المجال أمام الحضارة الطاغية، لتدخل في مجال النسيان كما غابت قبلها ثقافات عديدة.

          إن العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا مسألة تعود إلى بداية الثورة الصناعية، إذ اعتبر المنظرون الأوائل أن التكنولوجيا ستغمر كل ما هو ثقافي وتحول الثقافة إلى أداة لخدمة التقنية.

من خلال نموذج عزي عبد الرحمن للعملية الاتصالية نلاحظ بأن النظام الاجتماعي والبعد الحضاري والقيمي هي السمات التي تميز نموذجه عن بقية نماذج الاتصال الأخرى فقد أعطى أهمية كبيرة -في العملية الاتصالية التي تتم بين مرسل ومستقبل وفي ظروف معينة- لعنصر القيم كأساس لبناء ونجاح العملية الاتصالية، ويرى بأن الإعلام إنما هو رسالة وأن أهم ما يمكن أن تقاس به الرسالة هو القيم التي تمثلها تلك الرسالة، وأن القيم في أساسها ترتبط ارتباطا وثيقا بالمعتقدات، ويرى عزي عبد الرحمن أيضا أن القيم تمثل أهم ركائز الثقافة السائدة داخل المجتمعات، ويختلف مفهومه للثقافة عن المفاهيم الغربية التي قدمت لها، حيث يرى أن أغلبية المفاهيم التي قدمت للثقافة هي مفصومة عن أية بيئة قيمية، وإنما ترتبط بالجوانب المادية من تقنيات وممارسات وسلوك ظاهري،كالفنون والرقص وغيره، ويأخذ هذا المفهوم الغربي للثقافة أيضا اتجاهه لتجسيد الثقافة كظاهرة اجتماعية يولدها الإنسان من خلال الممارسة الاجتماعية، لتصبح بذلك صناعة إنسانية مستندة على خصائص السلوك الإنساني في كل مجتمع.

 

وإذا كان من المفترض أن الثقافة هي التي تغذي تكنولوجيا الاتصال وكل مجتمع يضمن هذه التكنولوجيا بمقياس يتماشى مع منظومته العقدية والقيمية والاجتماعية، فإن الواقع يثبت أن هذه التكنولوجيات هي من يصنع الثقافة التي يريدها صانعوها ويضمنون وينشرون الرسائل التي تعبر عن الثقافة الغربية المادية ولا يضعون أي اعتبار لثقافات الشعوب الأخرى، لأن أدبيات الاتصال المعاصرة تركز على الوسيلة لما تلعبه التكنولوجيات من سلطة قوية في فرض ثقافة عالمية واحدة، لا تصلح لجميع المجتمعات لاختلافها في المعتقد والعادات والتقاليد، ورغم ذلك نرى أنها نجحت إلى حد كبير في استمالة الأفراد في جميع المجتمعات إلى تلك الثقافة الغربية المادية. ووفق نظرية "عبد الرحمن عزي" فإنه لا بد أن تكون الثقافة هي الموجهة لتكنولوجيا الاتصال، لأن الثقافة هي الحاملة للرسالة والفكرة فالثقافة تستوعب تكنولوجيا الاتصال بينما هذه الأخيرة تشمل جزءاً محدداً من الثقافة فقط. أما رؤيتنا نحن المسلمون لمفهوم الثقافة فيختلف عن مفهومها في الأدبيات الغربية يقول "عبد الرحمن عزي""إن الثقافة سلم يمثل مستواه الأعلى للقيم، والقيمة ما يرتفع بالفرد إلى المنزلة المعنوية، ويكون مصدر القيم في الأساس الدين، فالإنسان لا يكون مصدر القيم وإنما هو أداة يمكن أن تتجسد فيها القيم، وأنه كلما ارتقت الثقافة إلى مستوى القيم ارتبطت بالدين بالضرورة، ويأتي العقل في مرتبة موازية ويمثل نشاطاً منطقياً يتعامل مع المسائل النظرية كالإدراك والفهم والتأويل، ويكون هذا النشاط المنطقي بالضرورة إذا كان وثيق الصلة بالقيم ومصدر النشاط الذهني هو العقل ويكون هذا النشاط العقلي المستوى الذي ترتقي به الثقافة إلى الحضارة، فهذا النشاط يولد الآداب والفنون والفكرة والمعرفة، أي أن الثقافة تتحول إلى حضارة بنشاط العقل المتفاعل مع المجال المعنوي والمادي في المجتمع".[16]

وقد يكون هذا النشاط مرتبطاً بالقيم فيكون ترابطياً، وقد يتحرك في مجال لا يتصل بالقيم فيكون غير مترابط. وكلما كان النشاط مترابطاً كان مجال النمو المتوازن واسعاً والعكس صحيح، وبالتالي في أسفل الثقافة حركة الإنسان وفعله أي سلوكه، ويكون مصدر هذه الحركة واقع الإنسان المحدود في الزمان والمكان، وأيضا فإن فعل الإنسان قد يكون مرتبطاً بكل من النشاط الذهني والقيم وقد لا يكون، فإن كان مرتبطاً بالنشاط المنطقي كان الفعل منطقياً وإن كان مرتبطاً بالقيم كان منطقياً وقيمياً، والقيمة أعلى من المنطق. إذن فالثقافة سلم يتضمن أبعاداً ثلاثة، القيم والمنطق والفعل.

 

رابعا: نموذج تطبيقي: أبعاد عملية التواصل عبر الإعلام الجديد في ضوء مقاربتي الحتمية التكنولوجية (مرشال ماك لوهان) والحتمية القيمية (عبد الرحمن عزي).

 

من خلال ما تقدم من عرض نظري لتطور عملية التواصل عبر العصور، وصولاً إلى مرحلة التقدم التكنولوجي التي ساهمت في إحداث تغييرات جذرية في عملية التواصل بين الأفراد والمؤسسات داخل المجتمع، وما نتج عنها من تحولات في أنماط وعادات التواصل بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع العربي. 

 

 

 

الخاتمة:

نتائج الدراسة:

 

المصادر والمراجع:

 

 

 

    

 

مراجع المقال:

01- عبد الله عبد الرحمن: سوسيولوجيا الاتصال والإعلام، (الأسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2002 ).

02- موسوعة لاروس: الاتصالات مند البداية حتى الأنترنت: ترجمة: أنطوان الهاشم، (بيروت: عويدات للنشر والطباعة، ط1، 2002).

03- منصف العيار: الطفل وحضارة الصورة التليفزيونية، مجلة المعيار، جامعة قسنطينة: الأمير عبد القادر، عدد،07، ديسمبر، 2003.

 04 -سعاد جبر سعيد: سيكولوجية الاتصال، (القاهرة: جدارا للكتاب العالمي، 2008).

05- شطاح محمد، (وآخرون): القنوات الفضائية وتأثيرها على القيم الاجتماعية والثقافية والسلوكية لدى الشباب الجزائري، عين مليلة: دار الهدي، دس.

06- مؤيد عبد الجبار الحديثي: العولمة الإعلامية، (عمان : الأهلية للنشر والتوزيع، ط1، 2002).

07- عبد الفتاح عبد النبى: تكنولوجيا الاتصال والثقافة، ( القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،1990).

08- سلوى عثمان الصديقى، هناء حافظ بدرى: أبعاد العملية الاتصالية، (القاهرة: المكتب الجامعي الحديث، 1999).

09- حسن عماد مكاوي، ليلي حسين السيد: الاتصال ونظرياته المعاصرة، ( القاهرة: الدار المصرية اللبنانية، 1998).

10- بوعلي نصير (وآخرون ): قراءات في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام، قسنطينة، الجزائر :منشورات مكتبة إقرأ، 2009.

11- محمد عوالمية: التكنولوجيا المعاصرة للإعلام والاتصال والإدماج الاجتماعي  للمكفوفين، مذكرة ماجستير غير منشورة، قسنطينة : جامعة الأمير عبد القادر، 2005.

 

 


[1] اليونسكو، ماكابرايت، أصوات متعدّدة وعالم واحد، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، ص: 28.

[2] سعود عياش، الإلكترونيات وسيط ثورة المعلومات، مجلة العربي، ع/29، 1983، صص: 46- 49.

 

[3] سيّد يسين، المعلوماتيّة وحضارة العولمة ، رؤية نقديّة عربيّة، نهضة مصر، القاهرة 2001، ص: 143 .

 

[4] سمير الشيخ علي، العولمة والتكامل الاقتصادي العربي، مجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسيانية، المجلد/18، ع/1، 2002، صص: 106- 205،  صص: 157- 205.

[5] سيّد يسين، مصدر سابق، ص: 10.

[6] عبد المجيد شكري، تكنولوجيا الإتصال، دار الفكر العربي، 1996، ص: 36.  

 

[7] محمد البخاري، مصدر سابق، ص: 81.

[8] www. Michel Souchon, Mc Luhan, pour comprendre les médias,p.127

[9] زهير إحدادن، مدخل لعلوم الإعلام والاتصال، ديوان المطبوعات الجامعية، المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، 1991، ص،ص.76-77.

[10] www.universalis.fr, visite du site : le : 09 – 03 – 2015.

[11] زهير إحدادن، مصدر سابق، ص: 76 – 77. 

[12] www.djazairnews.info, 2012, v : 19/02/2013.

[13] محمود قلندر، الحتمية القيمية الإعلامية مقاربة أصيلة لعلوم الاتصال، في: نصير بوعلي، قراءات في نظرية الحتمية القيمية في الإعلام ، مكتبة إقرأ، 2009، ص: 28.

[14] www.almodarresi.com..

 

[15] عزي عبد الرحمن : الفكر الاجتماعي المعاصر والظاهرة الإعلامية الاتصالية، بعض الأبعاد الحضارية، الجزائر: دار الأمة 1995، ص: 108 .

[16] - عزي عبد الرحمن: دراسات في نظرية الاتصال، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، د.ط ، 2003)، ص، 106 .

إحصل على كتابك بنفس التأتيرات ...نتكفل بوضعه أونلاين dev by ; chaib bachir

Copyright © 2013. الدكتور محمد الفاتح حمدي  Rights Reserved.

dev by ; chaib bachir